أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

238

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

رجوعهم بالعين إلى أصلها . قال : وأنشد النحويون على ذلك : 2156 - وإنّي لقوّام مقاوم ، لم يكن * جرير ، ولا مولى جرير يقومها « 1 » ووجه همزها أنهم شبهوا الأصلي بالزائد ، فتوهموا أن « معيشة » بزنة « صحيفة » ، فهمزوها ، كما همزوا تيك . قالوا : ونظير ذلك في تشبيههم الأصلي بالزائد في جمع مسيل : مسلان ، توهموه على أنه على زنة « قضيب وقضبان » ، وقالوا في جمعه « أمسلة » ، كأنهم توهموا أنه بزنة « رغيف وأرغفة » . وإنما « مسيل » وزنه « مفعل » ، لأنه من سيلان الماء ، وأنشدوا على : « مسيل وأمسلة » قول أبي ذؤيب الهذليّ : 2157 - براد لا أنيس به يباب * وأمسلة مدافعها خليف « 2 » وقال الزجاج : « جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ ، ولا أعلم لها وجها إلّا التشبيه ب « صحيفة ، وصحائف » ، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة » . قلت : وهذه القراءة لم ينفرد بها نافع ، بل قرأها جماعة جلّة معه ، فإنها منقولة عن ابن عامر ، الذي قرأ على جماعة من الصحابة ، - « عثمان » ، وأبي الدرداء ، ومعاوية » . وقد سبق ذلك في الأنعام « 3 » وقد قرائها قبل ظهور اللحن ، وهو عربيّ فصيح ، وقرأ بها أيضا زيد بن علي ، وهو على جانب من الفصاحة والعلم الذي لا يدانيه فيه إلا القليل ، وقرأ بها أيضا الأعمش والأعرج ، وكفى بهما في الإتقان والضبط وقد نقل الفراء أن قلب هذه الياء تشبيها بياء صحيفة قد جاء وإن كان قليلا . وقوله : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ كقوله قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ . قوله : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا . اختلف الناس في « ثُمَّ » في هذين الموضعين ، فمنهم من لم يلتزم فيها ترتيبا ، وجعلها بمنزلة الواو ، فإنّ خلقنا وتصويرنا بعد قوله تعالى للملائكة : « اسْجُدُوا » . ومنهم من قال : هي للترتيب لا في الزمان ، بل للترتيب في الإخبار ، ولا طائل في هذا . ومنهم من قال : هي للترتيب الزماني ، وهذا هو موضوعها الأصلي . ومنهم من قال : الأولى للترتيب الزماني ، والثانية للترتيب الإخباري . واختلفت عبارة القائلين بأنها للترتيب في الموضعين ، فقال بعضهم : إنّ ذلك على حذف مضافين ، والتقدير : ولقد خلقنا أباكم ، ثم صورنا أباكم ، ثم قلنا . ويعني بأبينا : آدم عليه السّلام . والترتيب الزماني هنا ظاهر بهذا التقدير . وقال بعضهم : الخطاب في « خَلَقْناكُمْ » و « صَوَّرْناكُمْ » لآدم عليه السّلام ، وإنما خاطبه بصيغة الجمع وهو واحد ، تعظيما له ، ولأنه أصل الجميع ، والترتيب أيضا واضح . وقال بعضهم : المخاطب بنو آدم ، والمراد بهم أبوهم ، وهذا من باب الخطاب لشخص ، والمراد به غيره ، كقوله : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، إلى آخره « 4 » ، وإنما المنجيّ والذي كان يسام سوء العذاب أسلافهم ، وهذا مستفيض في لسانهم ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر : 3158 - إذا افتخرت يوما تميم بقوسها * ما وطّدت من مناقب

--> ( 1 ) البيت للأخطل التغلبي انظر ديوانه ( 233 ) ، الخصائص ( 3 / 145 ) ، المقتضب ( 1 / 260 ) ، ابن يعيش ( 10 / 90 ) ، المنصف ( 1 / 306 ) . ( 2 ) انظر شرح أشعار الهذليين ( 1 / 185 ) . ( 3 ) آية ( 137 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 49 ) .